الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

332

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فالحادثة الأولى اعتبروها منطبقة مع قانون الأهم والمهم ، وقالوا بأن حفظ مجموع السفينة عمل أهم حتما من الضرر الجزئي الذي لحقها بالخرق ، وبعبارة أخرى ، فإن الخضر قام هنا ( بدفع الأفسد بالفاسد ) خاصة وأنه كان يمكن تقدير الرضا الباطني لأهل السفينة فيما إذا علموا بهذه الحادثة . ( أي أن الخضر قد حصل من وجهة الإحكام والقواعد الشرعية على إذن الفحوى ) . وفيما يتعلق بالغلام فقد أصر المفسرون ممن سلك هذا الطريق ، على أن الفتى كان بالغا وأنه كان مرتدا أو مفسدا ، وبسبب أعماله الفعلية فإنه من الجائز أن يقتل . وأما حديث الخضر عن جرائم الغلام المستقبلية ، فإنه بذلك أراد أن يقول بأن جرائم هذا الغلام لا تقتصر على إفساده الراهن وجرائمه الحالية ، بل سيقوم بالمستقبل بجرائم أكبر ، لذا فإن قتله طبقا للموازين الشرعية وبسبب ما اقترفه من جرائم فعلية يكون جائزا . أما ما يخص الحادثة الثالثة ، فلا أحد يستطيع أن يعترض على الآخرين فيما لو قاموا بالتضحية والإيثار من أجل الآخرين ، ومن أجل أن لا تضيع أموالهم دون أن يتقاضوا أجرا على أعمالهم ، وهو بالضبط ما قام به الخضر ، وقد لا تصل هذه الأفعال إلى حد الوجوب ، إلا أنها تعتبر - حتما - من السلوك الحسن . بل قد يقال من الوجهة الفقهية أن الإيثار والتضحية في بعض الموارد من الأمور الواجبة ، مثل أن تكون أموال كثيرة لطفل يتيم معرضة للتلف ، ويمكن المحافظة عليها بجهد قليل فلا يستبعد وجوب بذل الجهد . الطريق الثاني : تتم فيه مناقشة بعض عناصر الاستدلال الفقهية التي وردت في الطريق الأول ، فإذا كانت التوضيحات الآنفة مقنعة فيما يخص الكنز والحائط ، إلا أنها في قضية قتل الغلام لا تتلاءم مع ظاهر الآية ، الذي اعتبر علة قتل الغلام هو ما سيقوم به من أعمال في المستقبل ، وليس أعماله الفعلية .